» قلت لها: «الإنسان ما بيتقاسش بعدد اللغات اللي بيتكلمها، ولا بالشهادة اللي معاه، ولا بالفلوس اللي في حسابه. بيتقاس بأخلاقه وطريقة معاملته للناس.» فضلت قاعدة جنبي شوية، واتكلمنا عن دراستها وشغلها، وعن رغبتها إنها ترجع تطور نفسها في اللغة الألمانية. ولأول مرة من ساعة ما اتجوزت كريم، حسيت إني بتكلم مع نادين من غير حواجز. لكن قبل ما تمشي، قالت لي: «فيه حاجة أخيرة لازم تعرفيها.
» بصيت لها. «إيه هي؟» قالت بصوت واطي: «ماما كانت مصممة إني أطلب الشقة باسمّي، لأنها كانت عايزة تضمن إن يبقى عندي مكان أقدر أساعدهم فيه لو احتاجوا. وأنا وافقتها، مع إني كنت عارفة إن ده مش حقي.» سكتت لحظة، وبعدها كملت: «لكن فيه حاجة تانية ماما ما قالتهاش لكريم.» قلبي دق بسرعة. «إيه؟» نادين بصت ناحية الباب، وكأنها خايفة حد يسمعها.
وبعدين قالت: «ماما كانت ناوية تطلب من كريم مبلغ كبير بعد الفرح، وكانت فاكرة إن موضوع الشقة هيسهّل عليها الطلب.» اتصدمت. «مبلغ كبير قد إيه؟» قالت: «ما أعرفش الرقم النهائي، لكن سمعتها بتتكلم مع بابا عن مبلغ يكفي يسددوا جزء كبير من الديون.» فضلت باصة لها. «وإنتِ كنتِ عارفة؟» قالت: «كنت شاكّة، لكن ما كنتش أعرف التفاصيل. ولما شفت حضرتك بتطلعي العقد في الفرح، فهمت إن ماما كانت بتبني آمال كبيرة على الموضوع.
» ما علقتش. لكن قلت لها: «يا نادين، أنا مش هتدخل في خلافات بينك وبين أهلك. لكن لازم تعرفي إنك مش مسؤولة عن حل كل مشاكلهم، خصوصًا لو ده هيأثر على حياتك وجوازك.» هزت راسها. وبعدين قامت علشان تمشي. وقبل ما تخرج، التفتت لي وقالت: «أنا مش هطلب الشقة تاني. ولو حضرتك قررتي في يوم تديهالنا، هكون شاكرة. ولو ما قررتيش، مش هزعل.
أنا عايزة أثبت لك إنني أقدر أكون مرات كويسة لابنك من غير ما آخد منك حاجة.» ما رديتش عليها بكلام كبير. اكتفيت إني قلت: «ربنا يصلح حالك يا بنتي.» وهي نازلة السلم، فضلت واقفة عند الباب لحد ما اختفت. كنت عارفة إن الاعتذار بداية، مش نهاية. وإن الأيام هي اللي هتثبت إذا كانت نادين فعلًا اتغيرت، ولا مجرد خافت تخسر الشقة.
بعد أسبوع، حصل موقف صغير، لكنه كان أهم عندي من كل الاعتذارات. كنت في البيت لوحدي، ومحمود في شغله، وكريم ونادين كانوا رايحين يشتروا شوية حاجات لشقتهم. نادين اتصلت بيا وقالت: «يا ماما صافي، إنتِ في البيت؟» كانت أول مرة تناديني باسمي بالشكل ده، وبصوت فيه مودة حقيقية. قلت: «أيوه يا حبيبتي.» قالت: «إحنا قريبين منك، ومحتاجين نعدي عليكي خمس دقايق.
ينفع؟» قلت: «طبعًا.» وصلوا بعد شوية، وكانت معاها علبة صغيرة. دخلت وسلمت عليا، وبعدها حطت العلبة قدامي. «دي حاجة بسيطة جبتها لحضرتك.» فتحتها، لقيت جواها علبة شوكولاتة ووشاح بسيط لونه هادي. ابتسمت وقلت: «تسلمي يا حبيبتي، تعبتي نفسك ليه؟» قالت: «علشان افتكرت إن حضرتك بتحبي اللون ده.» ما كانش الهدية هي اللي فرحتني. اللي فرحني إنها افتكرت حاجة صغيرة قلتها لها من شهور.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.