أما الظرف الأحمر، فاحتفظت بيه في درج مكتبي، مش علشان أفكر في اللي حصل وأزعل، لكن علشان يفضل يفكرني إن الست اللي الناس ممكن تحكم عليها من شكلها أو سنها أو بساطة حياتها، ممكن تكون شايلة جواها حكايات وخبرات محدش يعرف عنها حاجة. ومن يومها، كل ما حد يسألني عن سر علاقتي بنادين، أبتسم وأقول: «إحنا ما بقيناش أم وبنت في يوم وليلة، لكن اتعلمنا إن المحبة الحقيقية بتبدأ لما نبطل نحكم على بعض، ونبدأ نسمع بعض بجد.
» والحمد لله، ابني كمل حياته، ونادين كملت شغلها، وأهلها بدأوا يرتبوا ظروفهم واحدة واحدة، من غير ما يحملوا حد فوق طاقته. أما أنا، فرجعت أشتغل في الحاجة اللي بحبها، وبدأت أكتشف نفسي من جديد. وبقيت كل ما أبص لعقد الشقة، أفتكر إنه كان ممكن يبقى سبب لخلاف كبير، لكنه علمني درس أهم من تمنه كله.
إن الكرامة مش هدية من حد، وإن احترام النفس مش غرور، وإن الإنسان لما يعرف قيمة نفسه، ما بيحتاجش يثبتها بالصوت العالي ولا بالمظاهر. وفي آخر يوم من السنة، جمعت العيلة كلها على العشاء، ورفعت كوباية العصير وقلت: «ربنا يديم المحبة بينا، ويخلينا دايمًا نعرف إن البيوت مش بتتبني بالطوب والعقود بس، البيوت بتتبني بالرحمة والصدق والاحترام.» كلهم قالوا آمين.
وبصيت لكريم ونادين، لقيتهم بيبتسموا لبعض، وبعدها نادين قربت مني وهمست: «على فكرة يا ماما صافي، أنا لسه فاكرة أول جملة قلتيهالي بالألماني.» ضحكت وسألتها: «فاكراها؟» قالت: «أيوه. قلتيلي إنك بتتمنيلي حياة سعيدة مليانة راحة واحترام.» هزيت راسي. «وده اللي لسه بتمناهولك.» حــ,,ـــــضنتني وقالت: «وأنا كمان بقيت أتمنى إن أي بنت تدخل بيت جديد، تلاقي حماتها بتعاملها بالطريقة اللي حضرتك عاملتيني بيها، حتى وأنا كنت غلطانة.
» ابتسمت وقلت: «وأنا أتمنى إن كل أم تعرف إن بنتها لما تتجوز، مش بتاخد راجل وبس، دي بتدخل عيلة جديدة، والعيلة دي تستحق منها نفس الاحترام اللي هي نفسها تلاقيه.» وفي الليلة دي، وأنا بقفل باب البيت بعد ما آخر ضيف مشي، حسيت إن الحكاية اللي بدأت بإهانة مخفية بلغة أجنبية، انتهت بحاجة أجمل بكتير من أي هدية.
انتهت بفهم متبادل، وبحدود واضحة، وبعيلة اتعلمت إن الخلاف مش لازم ينهي المحبة، وإن الاعتذار الحقيقي مش كلمة بتتقال علشان نعدي الموقف، لكنه تغيير بيبان في التصرفات. أما الشقة، ففضلت باسمي لحد ما أقرر مصيرها، من غير ضغط ولا استعجال. وكنت كل ما أفتكر إن نادين كانت فاكرة إني جاهلة، أبتسم وأقول لنفسي إن العلم مش بس إنك تعرف لغات كتير، ولا إنك تحمل شهادات، العلم الحقيقي إنك تعرف إمتى تتكلم، وإمتى تسكت، وإمتى تسامح، وإمتى تحط حد يحمي كرامتك.
ومن يومها، ما بقيتش أشوف الظرف الأحمر باعتباره ظرف فيه ستمائة جنيه، لكن باعتباره بداية حكاية غيرت نظرتنا كلنا للحياة. حكاية فهمتني إن أغلى هدية ممكن أقدمها لابني مش شقة ولا فلوس، لكن إني أسيبه يبني حياته بنفسه، وأفضل جنبه من غير ما أتحكم فيه. وأغلى هدية ممكن أقدمها لمرات ابني مش عقد ملكية، لكن فرصة إنها تتعلم وتصلح غلطها وتبقى جزء حقيقي من العيلة.
النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.